logo on medium devices
موقع صدى الولاية الاخباري
الأحد 21 يونيو 2026
18:43:26 GMT

الإمام الخامنئي من الجهاد إلى الشهادة قراءة تحليلية مختصرة في حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية(1)

الإمام الخامنئي من الجهاد إلى الشهادة قراءة تحليلية مختصرة في حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية(1
2026-06-21 09:28:57
❗خاص ❗️sadawilaya❗

د. فاضل الشرقي 
عضو المكتب السياسي لأنصار الله
٤ محرم ١٤٤٨هـ الموافق 19 يونيو 2026.

تمهيد: في رحيل القائد

في ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ الموافق 28 فبراير 2026، وبعد حياة حافلة بالجهاد والعطاء والدروس والعبر، ارتقى إلى بارئه تعالى علم كبير من أعلام الجهاد والإسلام سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، شهيدًا في قصف أمريكي-إسرائيلي استهدف مقر إقامته في طهران. كان رحيل القائد —الذي صمد طيلة أربعة عقود في وجه أعتى قوى الاستكبار العالمي— إيذانًا بمرحلة جديدة، ليس لإيران فقط، بل لمنطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) برمتها.

تقدم هذه المقالة قراءة إيجابية وموضوعية لجوانب من مسيرة هذه الشخصية العظيمة، التي لم تكن مجرد قائد سياسي فقط، بل كانت رمزًا دينيًا ومرجعًا روحيًا وقائدًا استثنائيًا، حوّل إيران من دولة تابعة إلى قوة إقليمية كبرى، وأسّس لنموذج حضاري إسلامي فريد في العصر الحديث.

كان الإمام الخامنئي هدفًا رئيسيًا لأمريكا وإسرائيل منذ وقت مبكر، ولم تكن جريمة اغتياله وليدة اللحظة، بل كانت تتويجًا لمسلسل طويل من التخطيط والتربص. فاستهداف القائد الكبير الحاج قاسم سليماني، واستهداف القادة الكبار في غزة ولبنان والعراق واليمن وإيران، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في حرب الـ12 يوم (يونيو 2025)، لم تكن سوى توطئة وتوطين لهذا الاستهداف المباشر. 

قبل الاستهداف المباشر بأشهر معدودة، نفذت أمريكا عملية نوعية في فنزويلا، أسفرت عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى أراضيها، سعياً منها لصناعة "نصر استراتيجي" يهدف إلى إرعاب طهران وقادتها التي تخشى مواجهتهم منذ أمد طويل، وحمل رسالة شديدة اللهجة مفادها: "نحن قادمون، وهذا مصيركم". كانت تلك العملية محاولة لهزيمة إيران نفسيًا، وشل قدرتها على الجهاد والمقاومة، وكسر إرادة محورها قبل أن توجه عدوانها وهجومها لقلبه النابض: الإمام الخامنئي.

المحور الأول: النشأة والتكوين - من مشهد إلى قمة الثورة

1. الجذور والنشأة الأولى

ولد السيد علي الحسيني الخامنئي في 19 أبريل/نيسان 1939 في مدينة مشهد المقدسة، المدينة التي تضم مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع). نشأ في أسرة دينية متواضعة؛ كان والده، العالم الجليل جواد الخامنئي، من علماء الدين المعروفين في مشهد، مما وفّر له بيئة إيمانية وعلمية منذ نعومة أظفاره، كما قال هو في حديثه المسجل عن والده.

بدأ دراسته الحوزوية في سن مبكرة؛ فحفظ القرآن ودرس المقدمات في مشهد، ثم انتقل إلى مدينة قم المقدسة عام 1958 ليواصل دراسته الحوزوية العليا في حوزتها العلمية العريقة، التي كانت وما زالت منارة للعلوم الدينية في العالم الإسلامي. وفي قم التقى بمعلم الروح وقائد المسيرة، الإمام روح الله الموسوي الخميني، فانجذب إلى فكره الثوري ونظرته السياسية للإسلام القائمة على رفض الهيمنة وإقامة الدولة الإسلامية.

2. صحوة الوعي ونذر الثورة

قبل الحدث الأكبر بسنوات، كان الشاب علي الخامنئي يعيش لحظة مفصلية في حياته. كان في الثالثة عشرة من عمره عندما سمع خطيبًا ثائرًا يهاجم النظام الملكي في مسجد فلكلور في مشهد سنة 1952، فاشتعلت في قلبه شعلة الوعي تجاه الأفكار الإسلامية الثورية وضرورة الكفاح ضد دكتاتورية الشاه وداعميه الأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين.

ومع انطلاق الموجة الثورية بقيادة الإمام الخميني في أوائل ستينيات القرن العشرين، التحق الخامنئي بالحركة، وكان أحد القادة الميدانيين للثورة في مشهد وخراسان. وتعرض للاعتقال ست مرات من قبل جهاز "سافاك" (المخابرات السرية للنظام الملكي) بسبب نشاطه الثوري، وأُبعد إلى المناطق الحدودية، لكنه لم يلن ولم يستكن. هذه المحن المبكرة صقلت شخصيته القيادية وأعدته للمسؤولية العظمى التي تنتظره.

المحور الثاني: بعد الثورة - من ساحة الحرب إلى كرسي القيادة

1. ثورة 1979: ميلاد نظام جديد

مع انتصار الثورة الإسلامية في فبراير 1979 وسقوط نظام الشاه العميل، كان السيد الخامنئي من القيادات البارزة في مجلس الثورة وأحد مؤسسي النظام الجديد، وتولى مهام أمنية وعسكرية حساسة؛ كان نائبًا لوزير الدفاع، ومشرفًا على شؤون الحرس الثوري الناشئ، وإمامًا لصلاة الجمعة في طهران وخطيبها. وقد برزخ خطيبا مفوهاً وثوريا ناضجا وصوتاً جذاباً، يشرح أهداف الثورة ويحشد لحراستها ويواجه حملات التضليل الإعلامي الغربية.

2. الحرب المفروضة ورئاسة الجمهورية

في سبتمبر 1980، وفي خيانة عربية صهيونية مقيتة، أقدم صدام حسين على شن حرب ضد إيران بدعم وتوجيه أمريكي بالدرجة الأولى، مستغلاً حالة الفوضى التي خلفها النظام المطرود، والظروف التي أعقبت الثورة ومحاولًا إجهاضها في مهدها. وهنا كانت محطة فارقة في حياة الخامنئي، فقد لبس لباس الجندية "البزة العسكرية" وانتقل إلى جبهات القتال، وكان ممثلًا للإمام الخميني في المجلس الأعلى للدفاع، وزار الخطوط الأمامية مرات عديدة.

وفي أكتوبر 1981، بعد اغتيال الرئيس محمد علي رجائي، انتخب السيد الخامنئي رئيسًا للجمهورية الإسلامية بأغلبية ساحقة بلغت 95% من الأصوات. وتولى الرئاسة في أحلك ظروف الحرب، حيث كان النظام الجديد يواجه عدوانًا مدمّرًا من العراق المدعوم أمريكيًا وعربيًا، وعقوبات اقتصادية خانقة، وحربًا إعلامية ضارية.

قاد الرئيس الخامنئي سفينة الدولة بثبات، وأشرف على "فتح خرمشهر" في 1982، النصر العظيم الذي طوى صفحة الانكسار وأظهر قدرة إيران على الصمود والهجوم. كما أدار الحرب في سنواتها الأخيرة، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 598 الذي قضى بوقف إطلاق النار في 1988، وحينها دخلت إيران وكذلك السيد خامنئي في مرحلة جديدة وظروف طارئة هي مرحلة ما بعد الحرب وظروف وفاة الإمام الخميني قائد الثورة ومرشدها ومؤسسها الأول.

3. محاولة الاغتيال: الشهيد الحي

في يونيو 1981، وأثناء إلقائه خطبة الجمعة في مسجد أبو ذر في طهران، فجّر عملاء حزب "مجاهدي خلق" المنافق العميل قنبلة مخبأة في جهاز تسجيل، مما أدى إلى إصابته إصابة بالغة في شقه الأيمن، دخل معها في غيبوبة مؤقتة وخضع للرقود السريري في أحد مستشفيات طهران. نجا آية الله الخامنئي بأعجوبة، لكن ذراعه اليمنى أصيب بشلل دائم لازمه حتى آخر أيام حياته، وأثرت الإصابة على رئتيه وحباله الصوتية. هذه الحادثة جعلته "شهيدًا حيًا" في قلوب الإيرانيين، ورمزًا للصمود والإرادة التي لا تلين، وزادته إصرارًا على مواصلة طريق الثورة والجهاد.

المحور الثالث: القيادة العليا - ثلاثة عقود ونيف من الصمود والبناء

1. القيادة العليا: قصة إرادة

بعد توقف الحرب وتحديداً في 3 يونيو 1989، عرجت روح الإمام الخميني إلى بارئها -عز وجل- عن عمر يناهز 87 عامًا، مخلفًا فراغًا هائلاً في قيادة الأمة. حينها كان السيد الخامنئي -الخمسيني- رئيساً للجمهورية الإسلامية وشخصيةً مرموقةً لدى الشعب الإيراني وعلمائه ونخبه، وحينها أصبح هو المرشح الأوفر لخلافة الإمام الخميني؛ نظراً لرصيده الثوري والجهادي، وكفاءته العلمية والدينية، ولما يتمتع به من خبرة وتجربة وحنكة وسياسة، ولأنه كان كذلك في نظر الإمام الخميني الراحل الذي كان يطري عليه في مجالسه ويؤمل فيه أهلية القيادة، وفي جلسة مطولة وبعد نقاش مستفيض بين أعضاء مجلس الخبراء وقع الاختيار على السيد الخامنئي ليكون المرشد الأعلى الجديد لإيران. الأمر الذي مثل نقطة تحول كبرى في حياته، فالمرشد الجديد لن يكون مجرد قائد سياسي، بل سيكون قائداً أعلى للثورة الإسلامية وخلفًا فكريًا وثوريًا وروحيا للإمام الخميني العظيم.

2. بناء الدولة: من الضعف إلى القوة

خلال السنوات الأربع والثلاثين التي تلت سنوات الحرب العراقية على إيران، قاد المرشد الخامنئي إيران إلى مصاف الدولة المتقدمة والحضارية، وحقق إنجازات هائلة جعلت من إيران دولة كبرى لا يستهان بها في مجالات عديدة.

أ. في المجالين الأمني والعسكري:
تحت قيادته تطوّرت الأجهزة الأمنية والعسكرية تقدما ملحوظاً، وتقدم الجيش الإيراني على جيوش المنطقة، وتطوّر "الحرس الثوري" من مؤسسة أمنية إلى قوة إقليمية عابرة للحدود. وأولى الإمام الخامنئي "فيلق القدس" إهتماماً خاصاً، باعتباره قوة مهام واختصاصات خارجية، تعنى بشؤون القدس وفلسطين وتحريرها، بقيادة القائد الشهيد اللواء قاسم سليماني، ولنشر أهداف الثورة ودعم قضايا المظلومين والمستضعفين في العالم. كما طوّرت إيران قدراتها الصاروخية وأصبحت تمتلك ترسانة صواريخ قوية في المنطقة، من مسيرات وصواريخ باليستية ومجنحة، تصل مدياتها إلى قلب كيان الاحتلال الإسرائيلي، وتطال كل القواعد الأمركية في المنطقة. كما عمل في السنوات الأخيرة على تطوير قدرات دفاعية جوية وبحرية متقدمة. وأسّس الصناعات العسكرية الثقيلة التي حوّلت إيران من دولة مستوردة إلى دولة مصدّرة للأسلحة والمعدات العسكرية.

ب. في المجالين العلمي والتكنولوجي:
رغم الحصار والعقوبات الخانقة، شهدت إيران طفرة نوعية في العلوم والتكنولوجيا، حيث أصبحت واحدة من الدول القليلة في العالم القادرة على تخصيب اليورانيوم، وأطلقت أقمارًا صناعية إلى الفضاء، وامتلكت تقنيات النانو الطبية والصناعية المتطورة، وبلغ الإنتاج العلمي الإيراني مراتب متقدمة إقليميًا وعالميًا. وقد كان الإمام الخامنئي هو المشجع الأكبر للعلماء والباحثين، وكان يعتبر أن العلم قوة، ومن لا علم له لا قوة له.

ج. في المجال الاقتصادي:
استطاعت إيران تحت قيادته —رغم العقوبات الاقتصادية الخانقة التي فرضتها أمريكا وأوروبا— أن تحقق اكتفاءً ذاتيًا في الكثير من السلع الصناعية والزراعية والدوائية. وأسّس "اقتصاد المقاومة" الذي جعل إيران أقل تأثرًا بالضغوط والعفوبات الخارجية، وقادها نحو تحقيق الأمن الغذائي والدوائي والصناعي.

3. قيادة محور المقاومة: تحويل الأحلام إلى واقع

يمثل "محور المقاومة" أعظم إنجازات المرشد الأعلى الخامنئي على المستوى الجيوسياسي. فقد بنى تحالفًا استراتيجيًا من القوى والأحزاب والجماعات المسلحة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن، جعل من إيران قلبًا نابضًا لمشروع إسلامي مقاوم للهيمنة الصهيو-أمريكية.

المقاومة الإسلامية في لبنان "حزب الله":
تحت قيادة الشهيد العظيم السيد الخامنئي، تحول حزب الله من مجرد مجموعة محلية إلى أقوى قوة عسكرية وسياسية في لبنان والمنطقة، وأصبح رأس الحربة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقاد الجهاد والمقاومة وصولاً إلى التحرير الكامل في يونيو 2000 ميلادية. كما دافع الحزب عن لبنان وصدّ الغزو الإسرائيلي في يوليو 2006، وأصبح يهدد العمق الإسرائيلي بصواريخه الدقيقة والمُسدّدة، بقيادة أمينه العام الشهيد السعيد السيد حسن نصر الله، الذي استشهد برفقة عدد من قادة الحزب في هجمات جوية صهيونية غادرة في 27 سبتمبر 2024 في معركة الإسناد لغزة.

حماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة الفلسطينية:
فتحت إيران ذراعيها لفصائل المقاومة الفلسطينية، وقدمت السلاح والمال والتدريب، مما جعلها قادرة على خوض معارك التحرير ومواجهة كيان الاحتلال الإسرائيلي. وكانت عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، التي أسقطت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ثمرة هذا الدعم الذي استمر لعقود بقيادة الإمام العظيم الخامنئي.

اليمن: أنصار الله:
حين بدأ العدوان السعودي-الأمريكي على اليمن في 2015، لم تترك إيران الشعب اليمني وحيدًا. فقد قدّمت دعمها العسكري والتقني لأنصار الله، الذين تحولوا إلى قوة قادرة على استهداف العمق السعودي والإماراتي والاحتلال الإسرائيلي، والمواجهة المباشرة مع أمريكا وبريطانيا وإسرائيل في عدوانهما المباشر على اليمن 2023/2025، وفرض حظر الملاحة البحرية على كيان الاحتلال في باب المندب والبحر الأحمر حتى يوقف عدوانه وحصاره عن غزة.

المقاومة الإسلامية العراقية:
بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، أسهمت إيران في ملء الفراغ الذي تسبب فيه الأمريكيون، وبناء مؤسسات جهادية وسياسية وعسكرية واسعة، تعمل على مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق وزعزعة نفوذه وهيمنته بما يحقق للشعب العراقي حريته وسيادته وحقوقه. كما ساعدت في تشكيل "الحشد الشعبي" الذي حارب تنظيم داعش ومنع سقوط العراق في براثنه. وأصبحت فصائل المقاومة العراقية جزءًا لا يتجزأ من محور المقاومة، موجعة للوجود الأمريكي في العراق وشوكة في حلق كيان الاحتلال الإسرائيلي.

سوريا: حماية قلب العروبة:
عندما اندلعت الحرب الداعشية التكفيرية في سوريا عام 2011 وهددت دمشق بالسقوط في أيدي الجماعات التكفيرية المدعومة خليجيًا وغربيًا، تدخلت إيران بقيادة الخامنئي عبر قوات الحرس الثوري وفصائل المقاومة العراقية واللبنانية والأفغانية والباكستانية لحماية النظام والشعب السوري من السقوط. وكسرت هذه الوقفة المشرفة ظهر المشروع الأمريكي الصهيوني التكفيري في سوريا والمنطقة، وفتحت الطريق أمام بقاء "المقاومة" في عزة ومنعة واقتدار.

المحور الرابع: الإرث الفكري والمرجعي - زعامة روحية عالمية

1. المرجعية الدينية

على المستوى الديني، كان آية الله الخامنئي مرجعًا فريدًا في عصره (فريد عصره) كما وصفه ولده السيد مجتبى الخامنئي، وقد أثبتت التحديات الفقهية والاجتهادية الكبرى جدارته وأهليته الدينية العليا والعالمية أيضًا. وكتب آلاف الصفحات الفقهية والأصولية، وسطر مئات الآلاف من الفتاوى الناضجة لأتباعه ومقلديه في شتى أنحاء العالم، وأصدر عشرات الكتب في الفلسفة الإسلامية والأخلاق والشعر والأدب. ويُعتبر من أبرز المراجع المقلَّدين في إيران والعالم العربي والإسلامي، وينتشر أتباعه ومقلدوه في كل أنحاء العالم.

2. ولاية الفقيه وفقه المقاومة

لم يكن الخامنئي مجرد فقيه، بل كان منظّرًا لفقه جديد: "فقه المقاومة". وفق هذا الفقه، يجب على كل مسلم أن يقف في وجه الظلم والهيمنة مهما كانت التضحيات؛ لذا فقد جسّد نظرية "الفقيه القائد"، التي تقول إن المرجع الديني ليس فقط مصدرًا للفتوى، بل يجب أن يكون قائدًا سياسيًا وجهاديا يقود الأمة إلى بر الأمان.

3. "المرجع" في العالم الإسلامي

نظر الكثير من أبناء السنة والجماعة في العالم العربي والإسلامي إلى آية الله الخامنئي بوصفه "قائد المقاومة" الأوحد، متجاوزين بذلك الاختلافات الطائفية التقليدية. فقد كانت كتاباته وخطاباته تركز على قضايا الأمة الكبرى: (فلسطين، والقدس، والوحدة الإسلامية، والاهتمام بالمستضعفين ونصرتهم، ومواجهة الهيمنة والاستكبار، والتأكيد على ضرورة الحرية والسيادة والاستقلال، ومقاومة التطبيع، ونبذ الفرقة والخلافات). هذه الرؤية الرشيدة والحكيمة جذبت إليه قلوب الملايين من المسلمين حول العالم، بمن فيهم أبناء البلدان العربية التي كانت أنظمتها تعادي إيران سياسيًا.

المحور الخامس: المواجهة مع الاستكبار - الصمود في وجه "الشيطان الأكبر"

1. أمريكا: العدو الرئيسي الأول

منذ مراحل الجهاد الأولى في سنوات مبكرة من العمر وإلى حين توليه القيادة السياسية ثم الولاية العامة وحتى استشهاده، كان الإمام الخامنئي بصيراً بأمريكا وخدعها وخبيراً بأساليبها وألاعيبها ولطالما كان يردد مقولة الإمام الخميني "أمريكا هي الشيطان الأكبر، والعدو الأول لإيران والثورة الإسلامية، والشعوب المستضعفة". فقد كان يرى أن أمريكا هي "رأس الحربة" للهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، والداعم الأول والراعي الأكبر لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وسبب كل مشاكل المسلمين والعالم، وأن أي تنازل معها أو خضوع لها هو "استسلام" و"خيانة". ولذا رفض —بشكل قاطع— أي انحناء أمام الضغوط الأمريكية والعقوبات القصوى، وعقد أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن، معتبرًا أن المفاوضات معها لا تجدي نفعًا، وأنه لا يمكن الوثوق بها.

ورغم المفاوضات غير المباشرة التي أدت إلى الاتفاق النووي (JCPOA) في 2015، إلا أنه ظل يحذر من خطورة الاطمئنان إلى أمريكا والغرب، والوثوق بها وتصديقها، وتقديم أي تنازلات سياسية أو قانونية تمس بمصالح إيران وسيادتها وحقوق شعبها. وعندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي في العام 2018 وأعاد فرض العقوبات القصوى، ثبت للجميع حكمة قائد الثورة وسداد رؤيته وبصيرته النافذة.

2. إسرائيل: الغدة السرطانية التي يجب استئصالها

منذ بداية حركته الجهادية وصولاً إلى ولايته السياسية والقيادية العليا، ظل متمسكًا بمنهج الثورة وقيمها ومبادئها وخط الإمام الخميني العظيم، وعدائه المطلق لإسرائيل "الورم السرطاني في جسد الأمة الإسلامية"، وكان يقول إن "تحرير فلسطين من النهر إلى البحر واجب شرعي وإنساني". ولم يكتفِ بالتصريحات والمواقف الإعلامية والتأييد السياسي للقضية الفلسطينية، بل حوّل الكلمات إلى إجراءات فعلية وعملية في طريق زوال إسرائيل، فأرسل السلاح والمال والعتاد للفصائل الفلسطينية في غزة والضفة، وقدم كل الدعم اللازم، وفتح معسكرات التدريب والتأهيل، وجعل من إحياء "يوم القدس العالمي" قضية رئيسية متصاعدة، وتقليدًا سنويًا حاشدًا في إيران وفي أنحاء العالم. وكان في كل لقاءاته وكلماته وتوجيهاته يؤكد على حتمية زوال إسرائيل، ويقول: إن الأجيال القادمة ستشهد زوال هذا الكيان الغاصب.

3. استراتيجية "الصبر الاستراتيجي"

تجلت عبقرية الخامنئي العسكرية في نظريته "الصبر الاستراتيجي" (Strategic Patience). والتي تعني: عدم الانجرار إلى حرب شاملة يريدها العدو في الوقت والزمان غير المناسبين أو الوقوع في حرب داخلية أو فتنة مذهبية وطائفية، وعمل عبر طرق ووسائل أخرى كان يراها أكثر إيلامًا ووجعًا وضررًا للعدو، وسعى في تقوية القدرات الذاتية وتطويرها، وبناء منظومة دفاعية وصاروخية هائلة، ودعم المقاومة المشروعة أينما وجدت. وقد كفلت هذه الاستراتيجية بقاء الجمهورية الإسلامية ونظامها ومنظومة المقاومة رغم كل التحديات والضربات والمؤامرات الخبيثة للصهيونية العالمية، ورغم كلفة التضحيات الكبرى وفداحتها ومنها وفي مقدمتها استشهاده رضوان الله عليه واستشهاد عدد كبير من القادة البارزين في إيران والمحور، إلا أن كل ذلك لم يوهِن عرش الجمهورية الإسلامية، ولم يفت عضدها، ولم يؤد إلى سقوط النظام وإضعافه أبدًا، بفضل تدابيره المحكمة، وترتيباته الصحيحة، وتوجيهاته السديدة؛ وهو الأمر الذي صدم الأعداء وأدهش الأصدقاء، وأذل أمريكا وإسرائيل، وأجبرها على التراجع والاستسلام والخضوع والنزول عند شروط إيران الكبرى في عدوانها الأخير.

المحور السادس: البعد الإنساني والاجتماعي - مرشد الشعب وقائدهم

1. مشاهد الزهد والتواضع

على النقيض من حياة الفخامة والترف التي عاشها أباطرة النظام السابق ويعيشها زعماء عالم اليوم، تميّز الإمام الخامنئي بالزهد والتواضع. وعاش في منزل متواضع في طهران يفترش الحصير، ورفض أن يكون له قصر خاص يرفل هو وأسرته وأهله في نعيمه وزخارفه؛ وجسد —بحق— سلوك جده العظيم الإمام علي بن أبي طالب (ع) وحياته وسيرته وكأنه يعيش في عصرنا الحاضر أو كأننا نعايشه.

ظل الخامنئي المقدس —أعلى الله مقامه— قريبًا من شعبه، يعيش معهم ويعايشهم، ويلامس همومهم، ويعبر عنهم، ويتفانى في خدمتهم وحمايتهم والذود عنهم بكل جدٍّ وحيوية ونشاط وكأنه في ريعان الشباب، وكما تمثل يوما حين قال: 
عمري إلى التسعين يركض مسرعًا والنفس واقفة على العشرين

كانت تلك المشاهد والصور وهو يلتقي مع جميع فئات الشعب من يوم لآخر، ويعانق بعض الأولياء المحبين والمصافحين، ويجالس الفقراء والمساكين والمستضعفين، ويقدم الهدايا من جنابه ويده لمن طلبه وسأله تبركًا ورحمة، ويزور أسر الشهداء وروضاتهم، والجرحى وأهاليهم، تعكس صورة "الولي القائد" المتجرد من الماديات، الزاهد في الدنيا، والمخلص لأهداف الثورة.

2. العلاقة بالشباب والعلماء

كان الخامنئي يولي الشباب اهتمامًا بالغًا، معتبراً إهمالهم "أكبر خطيئة". فشجّع الأبحاث العلمية الشابة، وخصص أوقاتًا للقاء طلاب الجامعات وأساتذتها، وأكد على ضرورة دعمهم والاهتمام بهم، وحث على تربية الأجيال القادمة على روح الجهاد والمقاومة. كما كانت له علاقته المميزة الموقرة بالعلماء والحوزات وطلاب العلوم الدينية، علاقة الأب بأبنائه والأستاذ بطلابه؛ يعرفهم بأسمائهم ويهتم بشؤونهم ويحضر مجالسهم العلمية والأدبية الخاصة بهم.

3. المفكر الكبير والقائد الاستثنائي

كان الإمام الخامنئي فيلسوفًا عظيمًا، ومفكرًا كبيرًا، ومنظرًا استراتيجيًا رائدًا في الفكر والسياسة على مستوى العالم بأسره. تميز بنشاطه المتجدد وحيويته المستمرة، وروحه الصلبة ورباطة جأشه، وعلو مكانته ومقامه في قلوب الإيرانيين خاصة وشعوب الإسلام قاطبة. وكانت طاقته وقدراته الفائقة تفوق ما يتمتع به الشباب من حيوية ونشاط، رغم تقدمه في السن. لم يهدأ له بال، ولم يسكن له جأش، وكان دائم الجد والنشاط والعزم في متابعة شؤون إيران والمنطقة والمحور والعالم. ولا يكاد يمر أسبوع واحد إلا وله فيه عدد من اللقاءات المباشرة، إما مع كبار مسؤولي الدولة وموظفيها، أو العلماء والمتعلمين، أو الأكاديميين، أو المهندسين، أو الأطباء، أو العمال، أو الشباب، أو الطلاب والطالبات، أو المرأة الإيرانية، وحتى مع براعم الطفولة. لقد كانت روحه العظيمة الملهمة منقطعة النظير، تركت إرثًا عظيمًا مباركًا، لا ينقطع غيثه ومدده وفوائده، سيظل يغذي الأجيال جيلاً بعد جيل.

4. القائد والوحدة الإسلامية: مشروع القوة الاستراتيجي

كان الإمام الخامنئي من أبرز دعاة الوحدة الإسلامية، ولم يكن ينظر إليها كخيار تكتيكي، بل قضية استراتيجية، يدرك تمام الإدراك أن بقاء الأمة واستقرارها وسيادتها مرتبط بالتماسك والتآلف بين المسلمين، بعيدًا عن الخلافات الطائفية والمذهبية التي يسعى الأعداء لاستثمارها واستغلالها ويعملون على تغذيتها وتوسعتها.

لقد جسّد هذه الرؤية عمليًا بتأسيسه ورعايته المباركة للـ "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية" منذ عام 1990، الملتقي الذي يعد وعاءً مؤسسيًا لوحدة الصف الإسلامي، ويضم في نشاطاته وفعالياته السنوية علماء ومفكرين من مختلف المذاهب الإسلامية.

كما كان حريصًا على تنظيم "مؤتمر الوحدة الإسلامية" المنعقد سنويًا في طهران منذ تأسيسه في العام 1990، هو مؤتمر دوليّ ينظّمه سنويّا المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في أيّام ذكرى المولد النبوي أو ما يسمّى بأسبوع الوحدة الإسلامية بحضور ومشارکة علماء ومفکرین وشخصيات بارزة إسلامية ووزراء الدول الإسلامية والعلماء والمفتين وأساتذة الجامعات من مختلف دول العالم ومن داخل البلاد. ليكون منبرًا للقاء العلماء وتبادل الرؤى وتعزيز التفاهم المشترك، كما كان يذكّر في كل مناسبة بخطورة مخططات الأعداء في بث الفرقة بين المسلمين ويحلل آلياتها وأدواتها.

5. القائد وإدارة المخاطر والأزمات 

في جائحة كورونا الخطيرة التي ضربت إيران بقوة، اتخذ الإمام الخامنئي قرارًا حكيمًا وصائبًا بضرورة ابتكار وإنتاج لقاح إيراني خالص بأيدي العلماء والخبراء والشباب الإيرانيين لإنقاذ حياة الناس ووقايتهم من هذا الفيروس القاتل الذي كانت تقف وراءه بعض أنظمة الفساد والإجرام الدولية، وحرصًا منه على حماية الشعب الإيراني من خطر اللقاحات الأمريكية والبريطانية والغربية المستوردة، غير الآمنة والموثوقة، والتي قد تكون مصنّعة بيولوجيًا لتعطيل شعوب العالم الثالث، وكان هو أول من دشن اللقاح بنفسه أمام عدسات العالم ليبعث برسالة أمن وسلام واطمئنان لشعبه العزيز، الذي ظل يحبه ويحميه ويفديه طيلة حياته. هذا القرار الحكيم أدى إلى إنقاذ حياة مئات الآلاف من الإيرانيين، وأثبت قدرة إيران في المنافسة والابتكار، إذ عُدَّ عالميًا لقاحًا منافسًا لأقوى شركات الدواء العالمية. ولهذا بقي شعب إيران إلى جانبه، مدركًا أنه يريد حمايته من الخداع الدوائي الغربي.

المحور السابع: الاستشهاد - اللحظة التي غيرت كل شيء

1. لحظة الاغتيال

في فجر 28 فبراير 2026، وفي خضم حرب مفتوحة شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، استُهدف مقر قيادة المرشد في طهران بصواريخ موجهة وغارات جوية أمريكية إسرائيلية مشتركة أدت إلى عروج روحه المقدسة إلى بارئها تعالى، واستشهاده مع بعض من أفراد أسرته الكرام؛ في جريمة أمريكية صهيونية غادرة وغير مسبوقة، قوضت كل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وأجهزت علي أسس النظام العالمي برمته، وكشفت عن الوجه الأمريكي الصهيوني الأكثر إجرامًا وقبحًا وطغيانًا وفسادًا في الأرض.

رفض القائد العظيم مغادرة موقعه المبارك والذهاب إلى الملاجئ للاحتماء وشعبه يتعرض للضرب والقصف والاستهداف، بلا ملجئ أو مأوى، وأصر على البقاء كسائر أفراد شعبه في ميدان الجهاد والعزة والكرامة والإباء، وإن كان ثمن ذلك روحه وتمزيق جسده إلى أشلاء فداءً لشعبه وثورته وبلده الإسلامي ونظامه.

استشهد (رض) شهادة مقدسة مباركة لا مثيل لها على الإطلاق، وحّدت شعبه وأمته، وبعثت فيهم الروح والحياة من جديد، وفي مقدمتهم مجاهدي الإسلام العظماء وحرس الثورة الشجعان الذين أمطروا العدو بصواريخ بأسهم وعزمهم وثأرهم وأسلحتهم ومسيّراتهم، ونكلوا به تنكيلاً، ودمروا قواعده وحصونه وقلاعه تدميرًا، ببأس الله وقوته، ودماء القائد الشهيد الفوارة المتوقدة الجارفة لأعداء الإسلام وأعداء شعب إيران المسلم العزيز.

2. ردود الفعل الداخلية: وحدة وتماسك

لم تكن شهادة المرشد صدمة عابرة، بل كانت حدثًا مفصليًا بنى عليه العدو كل آماله الخائبة وأطماعه البائسة. لكن الشيء المذهل الذي صدم الأعداء وأوجعهم أن إيران لم تهتز ولم تضعف ولم تسقط ولم تنهار، بل على العكس من ذلك، فقد بعثت من جديد، وازدادت تماسكاً وقوة. فقد أدت إلى:

· وحدة الشعب: ذابت كل الخلافات والتباينات بين النخب السياسية والعلمية وفي الشارع الإيراني، وانصهرت الأمة الإيرانية في روح رجل واحد فقط، هو الخامنئي القائد الشهيد، واصطفت جميعًا خلف القائد الجديد والنظام الصامد، واعتبروا دم المرشد الزكي تحديًا للشعب والنظام: إما أن يسقط أو نقف صفًا واحدًا.

· تعبئة شعبية كبرى: تطوّع ملايين الشباب الإيرانيين للانضمام إلى قوات التعبئة والجيش والحرس الثوري، لمواصلة الطريق الذي رسمه قائدهم الشهيد، وللدفاع عن إيران والنظام ومكتسبات الثورة ومنجزاتها.

· تصعيد خطاب الجهاد والمقاومة: أصبحت المقاومة ضد أمريكا وإسرائيل واجبًا مقدسًا في إيران بعد حادثة الاستشهاد، وأصبح علماء وخطباء ومفكرو ومثقفو إيران وساستها في الداخل والخارج يتبنون خطابًا جهاديا موحدًا أكثر تشدّدًا وصلابة وحماسًا من السابق، مع العزم والتصميم على ضرورة الأخذ بثأر القائد الشهيد، والرد بكل قسوة واقتدار على العدوان ومصادره.

· سدّ الفراغ: كان أهم ما في الأمر هو الفراغ الذي سيتركه القائد الشهيد الخامنئي، ومن سيخلفه في قيادة الثورة، ومن هو الولي الفقيه الجديد العادل الجامع للشرائط، وكيف ستسير أمور انتخاب القائد في ظل صدمة الاستهداف وضغوط الحرب وتدخلات الأعداء؟ كانت هذه هي أهم نقطة يراهن عليها العدو الأحمق في تحقيق هدف إسقاط النظام؛ إذ أن الاستهداف الغادر طال القائد الشهيد وبعض أفراد أسرته، وخصوصًا ولده السيد مجتبى، الذي كان العدو يرى فيه أهلية القيادة منذ وقت مبكر، وظل يركز عليه ويثير موضوعه منذ حوالي عقدين؛ لذا كان السيد مجتبى نفسه على لائحة الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي المتزامن مع استهداف السيد القائد الشهيد الخامنئي الأب. ولكن إرادة الله المتعال كانت هي الحاسمة، وكان أمره وتدبيره هو الغالب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

تولى الله السيد الخامنئي الابن برعايته ولطفه وحفظه وكتب له النجاة والسلامة بأعجوبة، واجتباه ليكون هو القائد الجديد للثورة الإسلامية المباركة، وحامل لوائها العالي ورايتها الخافقة، وليواصل السير بها على خطى الإمامين العظيمين، السيد الخامنئي الشهيد والسيد الخميني المؤسس، دونما أي انحراف أو التباس، ويحافظ على أهدافها السامية، لتبقى في أوجها وعلوها ورفعتها ومسارها الجهادي المقدس، ولو كره الكافرون.

3. ردود الفعل الإقليمية والدولية

محور المقاومة: نعاه قادة حزب الله وحركة حماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة وأنصار الله وحركات المقاومة العراقية، وأعلنوا الثأر والحداد، وتوعدوا أمريكا وإسرائيل بالويل والثبور، ووجهوا لها ضربات تدميرية واسعة وقاتلة. وكانت هذه اللحظة تأكيدًا قاطعًا على أن روحية الخامنئي الشهيد ودمائه المباركة ستظل حية في قلوبهم إلى يوم الدين.

الشعوب العربية والمسلمة: رغم أن معظم الأنظمة كانت خائفة وحذرة في ردها الرسمي (ما بين عزاء وتجاهل)، إلا أن الشارع العربي والإسلامي بكاه ونعاه طويلاً. (في العراق واليمن ولبنان وفلسطين والشام ومصر والأردن والمغرب والسودان وليبيا وتونس والجزائر وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا وماليزيا وأذربيجان وسائر دول الإسلام، والجاليات الإسلامية في المهجر)، بكى الملايين من أبناء الأمة العربية والإسلامية على قائد الجهاد والمقاومة والإسلام، وتظاهروا وكتبوا آلاف المنشورات والقصائد الرثائية المؤثرة.

المحور الثامن: تداعيات استشهاد الإمام الخامنئي

1. على المستوى الإيراني الداخلي

أحدث استشهاد المرشد فراغًا مؤقتًا لكنه امتلأ سريعًا بانتظام سياسي عجيب، ففي غضون وقت قصير، اجتمع مجلس خبراء القيادة وانتخب السيد مجتبى الخامنئي مرشدًا أعلى جديدًا. الأمر الذي نزل كالصاعقة على رؤوس الأعداء، وأصابهم بالصدمة والذهول، وأدخل اليأس والإحباط إلى قلوبهم، الخامنئي الابن الذي كان حاسمًا وحازمًا وصارمًا في كتابه الأول للداخل والخارج، الذي أكد فيه على عدم التراجع مطلقًا، بل مواصلة طريق الجهاد حتى كسر العدو والأخذ بالثأر والانتقام، وهو ما تحقق بالفعل.

ولّد استشهاد الخامنئي الأب روحًا جهادية جديدة وثوريةً صلبة لا تعرف التنازلات، فقد وجهت قوات الجيش الإيراني وحرس الثورة الإسلامي أعنف الضربات وأقساها إلى رؤوس المعتدين وقواعدهم، وتصدت للعدوان ببسالة منقطعة النظير، وتلقى المعتدون ضربات موجعة في البر والبحر والجو جعلت أمريكا وإسرائيل تتجرعان أشد الندم والألم على جريمتهما الشنيعة وخطيئتهما الكبرى.

2. على مستوى محور المقاومة

استشهاد الخامنئي لم يقتل "روح القدس" التي قادت المقاومة، كما كان يخطط العدو ويأمل. والرد الإيراني وفصائل المقاومة على جريمة الاغتيال كان فوريًا وساحقًا: هجوم صاروخي واسع وعنيف على قواعد أمريكا في المنطقة وبارجاتها في البحار وعلى كيان الاحتلال الخبيث استمر لأسابيع دونما أي توقف. وأثبت الحدث أن المحور لم يكن مجرد فصائل محدودة قابلة للانكماش والذوبان والتراجع مع أول ضربة وإن عظمت، بل كيانًا قويًا صلبًا قادرًا على الثبات والرد والانتقام.

3. على الاستقرار الإقليمي

لقد أدخل استشهاد الإمام الخامنئي المنطقة بأسرها في هزة عنيفة:

لم يكن حدث الاستشهاد وجريمة الاغتيال بالأمر السهل والهين الذي يمكن تجاوزه بمناورات شكلية أو امتصاصه بالعروض المغرية، بل كان أمرًا جللاً توقفت عنده السياسة والدبلوماسية تمامًا، وتقدمت القوة العسكرية الصلبة التي هزت المنطقة بأسرها والعالم بكله، وتلقت قواعد أمريكا ضربات تدميرية عطلتها عن الخدمة والفاعلية في حوالي عشر دول تتواجد فيها منذ ما يقرب من أربعة عقود، وتوقف تصدير الطاقة والمشتقات والبتروكيماويات تمامًا، ودخلت المنطقة في شلل تام، ومعها العالم، وتفجرت نيران الحرب ومعارك الجحيم على كيان الاحتلال الإجرامي، وهو ما لم يكن بالحسبان، وعجزت أمريكا وكيانها القذر عن الحسم العسكري وتحقيق أهدافها المعلنة، واضطرت مرغمة صاغرة ذليلة إلى الجنوح للسلام والنزول عند شروط طهران.

• الخاتمة: الشهيد الأمة خالداً في الأمة

. الأمة والوداع الأخير

تتحضر الأمة الإيرانية بكافة أطيافها، والإسلامية بأسرها، وجموع أحرار العالم، للحظات التشييع المهيب والوداع الأخير والتاريخي، لأعظم قائد إسلامي معاصر، وإمام مجاهد وثائر وشهيد، قاد مسيرة الجهاد والمقاومة أربعة عقود، وصنع أمجاداً خالدة في تاريخ الأمة.

تنطلق مراسم التشييع والوداع بدءأً من يوم السبت ١٩ — ٢٤ من شهر محرم ١٤٤٧هـ الموافق 4 — 9 تموز / يوليو 2026 في عدد من المدن الإيرانية حسب بيانات اللجنة المعنية بالإعداد والتحضير لهذه المراسيم الكبرى بموازاة ذكرى عاشوراء الأبدية والمظلومية الحسينية الخالدة، حيث تتجلى أعظم المناسبات وأسماها، لتلتقي دماء الشهيدين العظيمين في مسيرة واحدة، وتتشابك الأرواح الحسينية المباركة في ذات الأهداف والقيم، وركب من النور والخلود مع الجَدّ والحفيد. 

كما تلتقي النفوس الشريرة الحقيرة اليزيدية الأموية والأمريكية الإسرائيلية في ذات الدنائة والإنحطاط واللؤم والإجرام، وكأن الأقدار الإلهية أرادت لدماء القائد أن تختلط بتربة كربلاء، وتنضم إلى موكب سبط الرسول الأعظم (ص)، فتصبح مأساة القائد الشهيد جزءاً من الملحمة الحسينية الكبرى، ومأساة كربلاء ومظلومية عاشوراء التي لم تخمد جذوتها ولم تطفأ لُهبها ولم تبرد حراراتها منذ ألف وأربعمائة عام. 

هذه اللحظات الاستثنائية في مسيرة البشرية ستغير المشهد الإقليمي برمته، وترسم معادلات جديدة في الصراع مع أمريكا وكيان الاحتلال الإسرائيلي، حيث سيتحول الدم الزاكي للقائد الشهيد إلى وقود يحرك مسيرة التحرير، ويلهب قلوب الملايين من المجاهدين والأحرار في كل مكان.

يتوافد ملايين المحبين والمجاهدين والأحرار من كل حدب وصوب، حاملين رايات العزة والكرامة، مرددين هتافات الوفاء والبيعة، وشعارات "انتصار الدم على السيف"، ومؤكدين على استمرار خط الثورة والجهاد والمقاومة حتى تحقيق النصر الكامل وزوال الظلم والاستكبار عن ربوع الأمة الإسلامية والعالم أجمع.

ستخلد هذه المشاهد في ذاكرة التاريخ، وسيبقى هذا التشييع المهيب عنواناً لوحدة الأمة الإسلامية، ومبعثاً جديداً لقيم الثورة والحرية، وميلاداً للأحرار والشرفاء، وتجسيداً للإرادة القوية التي لا تلين، وتأكيداً على أن دماء الشهداء هي التي تصنع الحضارات وتحرر الأوطان، وأن قادة الأمة يعيشون فيها مؤبدين وفي القلوب خالدين، ولو رحلت أجسادهم.

ستكون هذه اللحظات الفارقة بمثابة انطلاقة جديدة في مسيرة الجهاد والنضال والتحرر، تبعث الأمل في نفوس المستضعفين، وترعب المستكبرين والظالمين، وتؤكد حتمية زوال أمريكا والكيان الصهيوني، وتحقيق وعد الله بالنصر للمؤمنين المجاهدين الصادقين.

. العروج والحياة والخلود 

رحل الجسد، لكن الروح ستبقى. إذ لا يمكن لأحد أن ينكر أن السيد الخامنئي الشهيد كان استثناءً تاريخيًا، وأن أمة الإسلام العصية على صخور التجزئة والاستكانة والذل، وجدت فيه صوتًا عالياً في وجه الاستكبار ويدًا صلبة قوية رافعة للواء العزة والكرامة والإسلام.

لقد مثل استشهاد المرشد الخامنئي حياة للشعب الإيراني بأكمله والأمة جمعاء، وتذكيراً بأن الطريق طويل، وأن التضحيات الجسام هي الجسر الوحيد لعبور الهزيمة إلى الإنتصار والعبودية إلى الحرية والسيادة والاستقلال، وأن قادة الأمة هم أيقونة نصرها وثباتها ومجدها وخلودها على طريق الحسين وعاشوراء وكربلاء.

نعم، رحل القائد شهيدًا في رحاب الأنبياء والأولياء، ومحراب العبادة والجهاد والمقاومة، لكن إرثه الخالد باقٍ أبد الآبدين، وأمة الجهاد والمقاومة باقية كذلك، وأن فلسطين ستحرر، وأمريكا وإسرائيل إلى زوال.


• المصادر

. مذكرات السيد علي الخامنئي، "إن مع الصبر نصرا"، مؤسسة الثورة الإسلامية للثقافة والأبحاث، مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي،(بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، شركة ديدق العالمية للطباعة، ط1، ٢٠١٩، ISBN: 978-614-427-147-6

. موقع http://KHAMENEI.IR، وعلى قناة التلجرام http://t.me/Khameneiarabi
حوار مع السيد مصطفى الخامنئي عن جوانب من شخصية قائد الثورة الإسلامية الشهيد، 12 مايو 2026.

. الموقع الإعلامي لمكتب حفظ ونشر آثار آية الله العظمى الخامنئي. (2017، 26 مايو). الصفحة الرئيسية باللغة العربية. مسترجع من khamenei.ir 

. مؤسسة الثورة الإسلامية للثقافة والأبحاث. (2022). كتاب قضية فلسطين للإمام السيد علي الخامنئي. مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي. مسترجع من khamenei.ir 

. Kurdistan24. (2026، 28 فبراير). "المرشد الإيراني علي خامنئي.. ثلاثة عقود من الحكم و"محور المقاومة"". https://www.kurdistan24.net/ar/story/897116

. NIRIJ (المركز الإيراني for الدراسات الدولية والإقليمية). (2022، 15 ديسمبر). "محور المقاومة عبر عيون إيرانية". https://nirij.org/2022/12/15/محور-المقاومة-عبر-ع

. ويكيبيديا العربية. (2005، 8 ديسمبر). "علي خامنئي". https://ar.wikipedia.org/wiki/عليخامنئي 
 
. موقع ويكي شيعا. (2021، 31 ديسمبر). السيد علي الحسيني الخامنئي. مسترجع من wikishia.net [12]

. مكتب حفظ ونشر آثار قائد الثورة الإسلامية الشهيد، 13 حزيران/ يونيو 2026. ومنصة: http://t.me/Khameneiarabi،
البيان رقم 3 الصادر عن لجنة إحياء ذكرى عروج الإمام الشهيد المجاهد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي. 

. دار الولاية للثقافة والإعلام، "ما هي رؤية الإمام الخامنئي للوحدة الإسلامية"، 03-09-2025.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها
المساعدون القضائيون في صيدا يكرّمون القاضي إيلي أبو مراد قبل انتقاله إلى البقاع
صدر كتاب تحت عنوان: قراءة في الحركة المهدوية نحو بيت المقدس للشيخ الدكتور علي جابر
المقداد يجول في جرد جبيل ولاسا
مؤتمر دولي لنصرة غزة من بيروت الى اليمن وفلسطين والعالم
بتاريخ ٢٠٢٤٠٤٠١ نظمت السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي شعبة بشارة الخوري محمد الحوت المتحف في منطقة بيروت
واشنطن تصنف انصار الله جماعة إرهابية وتدخل حيز التنفيذ من يومنا هذا وصنفت قيادات الصفوف الاولى من حركة انصار الله بلائحة الارهاب
في أجواء شهر رمضان المبارك وبمناسبة يوم الأرض ،
قتيل وجرحى بين العرب في البقاع الاوسط في منطقة قب اللياس
النائب برو يتفقد احوال النازحين في علمات والبدان المجاورة
كتب حسن علي طه يا أمة المليار منافق، غزة تُباااااد ، فماذا أنتم فاعلون؟ عامان، لا بل دهران، لكثافة ما حصل في غزة من أحداث.
بعد طلب سماحة القائد الولي الاعلى السيد علي الخامنئي حفظ الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الوزير السابق للداخلية مروان شربل
قيادة الحملة الدولية لكسر حصار مطار صنعاء الدولي
ممثل الامين العام لحزب الله الشيخ الدكتور علي جابر يزور مطبخ مائدة الامام زين العابدين ع في برج البراجنة
مباشر من حفل اطلاق الحملة الرسمية لاحياء اليوم القدس العالمي التي يطلقها ملف شبكات التواصل في حزب الله
الحاج حسن من بريتال: أزمة انتخاب رئيس الجمهورية سياسية وليست دستورية
تحت عنوان (على طريق القدس موحدون لمواجهة الفتن ومؤامرات التفريق بين أمتنا )
الصوت الذي لم يستكن يوماً
صنعاء بمواجهة العدوان المتجدّد: لا وقف لعمليّاتنا
تسارع الاستعدادات للانتخابات: تنافس المالكي - السوداني يحتدم
يومية ترامب ١٢٠٠ مليار ...!
رسائل المصيلح الأربع
السلطة المنفصمة: لبنان لا يتعرّض للعدوان!
الشاهدة دائماً...
لاريـجـانـي فـي بـيـروت داعـمـاً... وقـادة الـعـدو يـتـجـوّلـون جـنـوبـاً
«قسد» تتحسب لعهد ترامب: إجراءات «وقائية» استباقية
السفيرة الأميركية تهدّد الأخبار السبت 9 آب 2025 زارت السفيرة الأميركية في لبنان ليزا جونسون مجلس الإنماء والإعمار في ال
مفاوضات عمان - تقاطع الثوابت والمصالح في لحظة دولية فارقة
ربيع إفريقي جديد
ناصر قنديل : اتفاق في غزة بعد لبنان والحرب الوجودية
قاسم: العدوان لن يستمرّ ولكل شيء حدّ
التهويل بالمخاطر يؤكد ضرورة السلاح!
تل أبيب أكثر المناطق تضرّرًا: جردة بخسائر الحـ.ـرب الإســـ..ـرائيـلية أحمد العبد-صحيفة الأخبار كشفت وسائل الإعلام الع
إدارة ترامب تبارك ضم الضفة
الاخبار _ على بالي _ اسعد ابو خليل : النظام السوري الجديد وإسرائيل:
الشهداء ميراث العطاء الأعظم
الاخبار :هوية مطلقي الصواريخ لم تُحسم
خبير صهيوني: المقاومة اللبنانية لا تزال باقية وحية.. وحزب الله يمتلك عشرات آلاف الصواريخ والمقاتلين المسلحين
اتفاقات آبراهام» تقرع أبواب دمشق: التطبيع يقترب
سنة
شهر
أسبوع
يوم
س
د
ث